التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٩ - مزعومة الأشعري في الالجاء
- أي خذلانهم- هم الذين لا ينيبون إلى اللّه مولاهم الحق[١]. وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ[٢]. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً[٣].
قال سيدنا الطباطبائي- دام ظلّه-: قد وقع المؤمنون حقّا بين هدايتين:
هداية اولى فطرية و انصياع إلى رشد العقل، فشملتهم عناية ربانية في نهاية المطاف. كما ان الكافر و كذا المنافق، واقع بين ضلالين: ضلال سابق هي معاكسة نداء الفطرة و هدى العقل، فلحقهم ضلال و عمه عن سبيل الحق مع الأبدية، كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ[٤][٥].
إذن فكما أنّ الهداية اللاحقة منحة الهية يكتسبها العبد بفضل جهوده في سبيل لقاء ربه كذلك الضلال اللاحق خذلان من اللّه استوجبه العبد لنفسه، مغبة اعراضه عن الحق و صموده على الغي و الضلال، و في كلا الجانبين يكون العبد هو السبب العامل لما يصيبه من سعادة و شقاء في نهاية المطاف. فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ[٦].
مزعومة الأشعري في الالجاء
و زعم الأشعري و من على شاكلته من أهل الجبر، أن لا سبيل للعبد إلى اختيار طرق الهداية أو الضلال اطلاقا، و إنّما هي إرادته تعالى يهدي من يشاء بلا سبب ذاتي، و يضل من يشاء بلا استحقاق موجب، لأنّه تعالى يفعل ما يريد، و لا يسأل عما يفعل و هم يسألون.
قال: ان اللّه هدى البعض الى الايمان و لطف به و أصلحه فكان مؤمنا،
[١] مقتبس من قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ- الانعام: ٦٢.
[٢] آل عمران: ٢٤.
[٣] النساء: ١٧٥.
[٤] البقرة: ١٧- ١٨.
[٥] راجع: تفسير الميزان: ج ١ ص ٤٢ ط دار الكتب الاسلامية.
[٦] يونس: ١٠٨.