التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٠ - الرؤية
و ربّما يقال: إنّ موسى (عليه السلام) سأل الرؤية لنفسه، و لا يمتنع أن لا يعرف النبيّ استحالته، أو يطلب زيادة معرفة بزيادة الأدلّة و ترادفها.
و أجاب القاضي بأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم أن يجهلوا ما يرجع إلى معرفة اللّه تعالى و شئونه، لما في ذلك من النفرة عنهم، حيث يؤدي إلى جواز أن يسألوا عن ذلك فيجهلوه و يعرفه غيرهم[١].
٣- و أمّا الاستدلال بامكان استقرار الجبل دليلا على امكان الرؤية، فيرده: أنّ التعليق في الآية كان على نفس الاستقرار و فعليته، لا على امكانه «فان استقر مكانه فسوف تراني»، فإذا علم أنّه لا يستقر، علم أنّه تعالى لا يرى.
ثمّ من أين علم المستدل امكان الاستقرار للجبل عند تجلي عظمة اللّه له، فلعل الكون بأسره لا يطيق استقرارا تجاه تلك العظمة و الجبروت، إذ التناسب بين جبروت كبريائه تعالى و دائرة نطاق هذا الكون، لأكبر مما بين الجمل و سم الخياط-[٢] فكما أنّ ذلك غير ممكن فكذا هذا بالأولى إذا ما لاحظنا الفارق بين النسبتين.
و أمّا التجلي في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فهو اظهار عظيم قدرته و تجلى جبروته تبارك و تعالى، بما أوجب دكا في الجبل، إذ لم يستطع المقاومة.
و التجلي: شدة ظهور الشيء و وضوحه و لو بالدلائل و الآثار، قال الشاعر:
|
تجلى لنا بالمشرفية و القنا |
و قد كان عن وقع الأسنة نائيا |
|
أراد أنّ تدبيره في تخطيط القتال دلّ عليه حتى علم أنّه المدبر له، و ان كان نائيا عن وقع الأسنة و لم يحضر الحرب بنفسه. فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته، و عبر عنه بأنه تجلى منه.
[١] متشابه القرآن للقاضي: ج ١ ص ٢٩٥.
[٢] الاعراف: ٤٠.