التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٨ - الرؤية
٢- و هكذا قوله تعالى- حكاية عن سؤال موسى (عليه السلام)-: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ»[١] لا يدل على جواز الرؤية. لأنّ سؤاله ذلك كان من تجاهل العارف، على أثر ضغط من قومه الجاهلين، فقد جاء في التفسير: أنّ قومه أبوا أن يصدّقوه إلّا أن يسمعهم كلام الرب تعالى، فاختار منهم سبعين ليصحبوه إلى الميقات، فلما كلمه اللّه تعالى و أسمعهم أيضا، أبوا إلّا أن ينظروا إليه يتكلم فيرونه جهارا، و بذلك أحرجوا من موقف نبي اللّه موسى (عليه السلام) تجاه ربّه و مسئولية رسالته إلى بني إسرائيل.
روى أنّه (عليه السلام) لم يستطع التفوّه بتلك العظيمة- لمكان علمه باستحالتها- غير أنّ موقفه ذاك قد أحرجه، فقال:
يا ربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، و أنت أعلم بصلاحهم. فأوحى اللّه إليه: يا موسى، سلني ما سألوك، فلا أؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك تجرّأ موسى (عليه السلام) على ابداء تلك المسألة.
و دليلا على ذلك ما جاء في سورة النساء: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ[٢].
فقد جاءت تبعة تلك المسألة العظيمة موجهة إلى بني إسرائيل، فكانوا هم الذين طلبوا من موسى (عليه السلام) أن يريهم اللّه جهرة، فأحرجوه إلى أن يسأل ربه فيما طلبوا.
و أصرح منها قوله تعالى في سورة البقرة: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ[٣]. و هذا يؤكد ما جاء في الرواية: انّ الذين سألوه هذا السؤال كانوا السبعين الذين اختارهم لميقاته تعالى فأخذتهم الرجفة لهيبة ما نزل بهم من صاعقة النكال، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض و هم يتهافتون على الأرض، ثمّ بعثهم اللّه، بعد التضرع
[١] الاعراف: ١٤٣.
[٢] النساء: ١٥٣.
[٣] البقرة: ٥٥.