التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٢ - اختبار داود
ما جاء في لفظ التوراة المحرفة في حياكتها الفظيعة[١] التي يرفضها العقل السليم و حاشا داود من نبي كريم! و كل ما يدل عليه ظاهر القرآن أنه تعالى أراد أن يمتحن عبده داود في القضاء العدل و يدرّبه عليه تدريبا، حتى في أشد الحالات عليه، فجعل من الملكين في صورة خصمين يهجمان عليه المحراب، و هو منشغل بخلوته مع ربه، و من ثمّ افزعته تلك المباغتة الغريبة، و تسرع في الحكم قبل أن يتأكد من توفر شروطه أجمع، حتى و لو كان بصورة فرض، لانه كان بمحضر المدعى عليه، و ربما أوجب انفعالا في نفسه فيتقاعس عن الدفاع عن نفسه، لظنه ان الحكم حتم لخصمه فلا فائدة في الدفاع.
هذا و لا سيما و قد القيت الدعوى بصورة تستجلب الحكم للمدعي في بادئ النظر، خصوصا و المدعى عليه ساكت لا يتكلم.
و الخلاصة: ان بواعث التسرع بأخذ جانب المدعي حينذاك كانت متوفرة أولا: هجوم الخصمين عليه بتلك الصورة المفزعة، و هي تحول دون رجوع العقل إلى رشده، و لا يملك أي انسان وعيه إذا ما ملكه الفزع و فاجأه رعب مهول. و ربما يتخذ تدبيرا هو بمعزل عن رشد العقل، و من ثمّ كان من آداب الحكم ان لا يكون القاضي منشغل الذهن بهواجس و لا مرتاعا في أمره.
ثانيا: القاء الدعوى بتلك الصورة المغرية، انه يملك نعجة واحدة، و خصمه يملك تسعا و تسعين نعجة، و طلب اليه ان يضم نعجته إلى نعاجه، من غير ما سبب معقول، سوى انّه يملك اكثر بتلك النسبة العالية.
و لا شك ان الدعوى إذا كانت بتلك الصورة كان الحق مائة بالمائة مع المدعي، و يكون المدعى عليه ظالما له.
[١] انظر: العهد القديم- صموئيل الثاني- الاصحاح الحادي عشر و الاصحاح الثاني عشر.( الكتاب المقدس ص ٤٩٧- ٥٠٠).