التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٥ - التكفير بين العموم و الخصوص!
ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[١]. و غيرهما من آيات و هي كثيرة.
قال شيخ الطائفة- قدس اللّه روحه-: و قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ قيل فيه وجهان: أحدهما- تذهب به على وجه التكفير، إذا كانت المعصية صغيرة. و الآخر- ان المراد بالحسنات التوبة، تذهب بالسيئة أي تسقط عقابها. لانه لا خلاف في سقوط العقاب بالتوبة. قال: و قد قيل: ان الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيئات، فكأنّها ذهبت بها[٢].
و هذا الذي ذكره الشيخ أخيرا يصلح وجها ثالثا لتفسير الآية الكريمة ليصير معنى الآية- و اللّه العالم-: ان المواظبة على الاعمال الصالحة و اتيان الخيرات و الرغبة في الحسنات، لمما يزيد في التوفيق و يبعث على ترك السيئات و اجتناب الشرور و المفاسد طبعا، إذ كلما ازدادت رغبة الانسان في جهة ازداد بعدا عن جهة اخرى مخالفة لها. و النفس البشرية سريعة التعود على الوضع الذي أنست به، و الطريقة التي سلكته في الحياة أمّا صلاحا أو فسادا.
فالانسان الذي يزاول أعماله في جو صالح تراه لا يفكر إلّا في خير، و لا يستطيع ارتكاب شرور حسبما ألفه من صلاح. و هكذا العكس، الذي يزاول أعماله في جو فاسد لا يفكر إلّا في شرور و آثام. و هي طبيعة ثانوية للانسان تحصل على أثر المرونة و الالف.
و عليه فقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يعني: ان مرتكب الحسنات المتعود عليها، لتبلغ به عادته تلك الحسنة، إلى حيث تذهب عن حياته السيئات فلا يرتكبها بحسب ذاته و اعتياده على الصلاح، فيا لها من عادة حسنة و نعمت! قلت: و ان في الصلاة- خصوصها- لأثرا تربويا نفسيا ليس في سائر
[١] النحل: ١١٩.
[٢] تفسير التبيان: ج ٦ ص ٨٠( ط نجف).