التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - مسألة الأمر بين الأمرين
بينها غالبيا، الا من عصم اللّه، و أجاد التفكير فيما أثر عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) منها: مسألة «التوحيد المطلق». و مسألة «العدل المطلق».
و مسألة «الحكمة في التكليف». و مسألة «الحسن و القبح العقليين». و مسألة «استحقاق الثواب و العقاب». إلى غيرها من مسائل مشابهة.
و قد احتار القوم في التخرج عن هذه المسائل جميعا بما لا يستلزم تناقضا أو معارضة مع بعضها. في وئام و وفاق بسلام. و من ثمّ أخذوا يمنة و يسرة، في اعتراف ببعض و نكران لبعض، بما ازدادوا شكا في ريب.
أمّا الأشاعرة فزعمت أنّها أخذت بجانب مسألة التوحيد المطلق، و قالت:
لا خالق إلّا اللّه، و لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه، و من ثمّ نفت صحة استناد الأفعال إلى العباد. و أسندتها إلى اللّه. فلزمها القول بالجبر، و أنّ العباد مضطرون فيما يفعلون، و بذلك خسرت مسألة العدل المطلق، و أنكرت الحكمة في التكليف، و لم تدع مجالا لمسألة الحسن و القبح العقليين و لا مسألة استحقاق المثوبة و الجزاء.
و أمّا المعتزلة فأسندت الأفعال إلى العباد بصورة مطلقة، و قالت: إنّهم مختارون في فعل ما يريدون و ترك ما يكرهون. تحكيما لمسألة العدل المطلق، و مسألة الحسن و القبح و الثواب و العقاب، و تحقيقا لمسألة الحكمة في التكليف و بعث الرسل و انزال الكتب. لكنهم أسرفوا في القول بالاستطاعة المطلقة، حتى نفوا كلّ تأثير لإرادة اللّه و حوله و قوته في أفعال العباد، و من ثمّ لزمهم القول بالتفويض، و أنّ العباد هم المحدثون لأفعالهم باختيارهم و إرادتهم و قدرتهم الخاصة. و أنّ القدرة و إن كانت منحة من اللّه منحها لعباده، لكن إعمال هذه القدرة و تأثيرها في الايجاد و الاحداث منوطة كلّ الاناطة باختيارهم و استقلالهم في الإرادة و الاقتدار.
و اختارت الإمامية- في ضوء تعاليم أئمة الهدى- مذهبا وسطا في مسألة القدرة و الاستطاعة. فلم يعترفوا للعبد استقلاله الكامل في الخلق و الايجاد، و لم ينفوا عنه القدرة و الاختيار رأسا، قالوا: لا شكّ أنّ كلّ ما في الوجود واقع تحت