التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - الاستهزاء و الخديعة
و الحقارة عليه و قد كثر التهكم في كلامه تعالى بالكفرة، و المراد به تحقير شأنهم و ازدراء أمرهم، و الدلالة على أنّ مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون و يضحك الضاحكون. و أيضا فقد سمى جزاء الاستهزاء باسمه، كقوله:
وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها[١]. و قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ[٢]. فان قلت: كيف ابتدأ قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ من غير عطف على كلام قبله؟ قلت: هو استئناف في غاية الجزالة و الفخامة. و فيه أن اللّه عزّ و جلّ هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم اليه باستهزاء. و لا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم النكال و يحلّ بهم من الهوان و الذّلّ[٣].
و من ثمّ جاء تفسير قوله تعالى: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ[٤] في آية اخرى بهدم بنيانهم من الأساس، تجاه ما قاموا به من دسائس و خيانات، قال تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ[٥] أي عاكستهم الواقعية، إذ وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ[٦]. وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ[٧]. و قال تعالى موضحا لموقفه مع المنافقين الماكرين:
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ[٨].
و أنت اذا قارنت بين قوله تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ[٩]. و قوله: وَ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً[١٠] عرفت- بوضوح- أنّ المقصود من مكره تعالى هي المعاملة بالمثل بما يناقض
[١] الشورى: ٤٠.
[٢] البقرة: ١٩٤.
[٣] الكشاف: ج ١ ص ٦٦- ٦٧.
[٤] آل عمران: ٥٤.
[٥] النحل: ٢٦.
[٦] الانعام: ١٢٣.
[٧] فاطر: ٤٣.
[٨] الانعام: ١٢٤.
[٩] النحل: ٢٦.
[١٠] الرعد: ٤٢.