التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - الفوقية
وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا[١]. و قوله بشأن الشهداء في سبيل اللّه: أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ[٢]. و غيرها من نظائر كثيرة كان المقصود فيها من التعبير ب «عند اللّه» أو «الرفع اليه» هو شرف القرب و الرفع المعنوي، لا القرب المكاني و الصعود الحسيّ.
٤- و قوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ[٣]، هذه الآية عبارة أخرى عن قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[٤]، فالسماء و الأرض اخذتا هنا كناية عن عالم العلو اللامادي و عالم السفل المادي، و أنّ تدابير هذه الحياة إنّما تتخذ في عالم أعلى من عند ربنا عزّ و جلّ. و من ثمّ عقبها بقوله: ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ[٥].
٥- و قوله: فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى[٦]: ليس فيه دلالة على أنّ موسى (عليه السلام) قال له: «اللّه فوق السماوات»، فلعله هو توهم ذلك، إذ لم ير في الأرض من يصلح أن يكون الإله الذي يدعيه موسى (عليه السلام) فتوهمه موجودا جسمانيا في احدى طبقات الجوّ. أو نفرض أنّ موسى (عليه السلام) قال له ذلك، لكنه لقصور فهمه زعم من السماء طبقة جوية كانت مسكن إله موسى (عليه السلام) و لم يدر انّ معنى كون الإله في السماء، انّه متعال عن الماديات و أنّه فوق أطباق العلى لا بالجهة و الحدود، بل بالرفعة و الشموخ. و هكذا الأشعري و أذنابه لم يعد أفهامهم فهم فرعون من أمثال هذا المقال.
٦- و قوله: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ[٧]. قيل: المراد بمن في السماء هم الملائكة الموكلون بشئون الأرض. لكن الصحيح أنّ المراد به هو اللّه تعالى كما في آية اخرى:
[١] مريم: ٥٧.
[٢] آل عمران: ١٦٩.
[٣] السجدة: ٥.
[٤] الحجر: ٢١.
[٥] السجدة: ٦- ٧.
[٦] غافر: ٣٧.
[٧] الملك: ١٦.