التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - حقيقة التأويل
وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها، وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[١] نزلت رادعة لعادة جاهلية، كان الرجل إذا أحرم نقب في مؤخّر بيته نقبا، منه يدخل و منه يخرج.
و هذه العادة أصبحت لا وجود لها بعد أن باد أهلها. غير أنّ الآية لم تمت بذلك و إنّما بقي عموم ردعها عن إتيان الامور من غير وجوهها بصورة عامّة[٢] فهذا تأويلها المنطوي عليه الآية، يعمل بها مع الأبد.
و قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ[٣].
تفسيرها: أنّ اللّه هو الذي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ[٤] و هذا معنى ظاهري يدلّ عليه ظاهر اللفظ.
و جاء في تأويلها: إذا فقدتم حجة من حجج اللّه الذين كنتم ترتوون من عذب نميرهم، فمن الذي يأتيكم بحجة اخرى يواصل هديكم في ركب الحياة[٥]. و هذا المعنى يعبر عنه بالبطن، لا يجرأ أحد على بيانه إلّا بنصّ معصوم. و استعارة ينبوع الماء لمصدر الهداية الربانية شيء متناسب، فكما أنّ الماء هو أصل الحياة المادية، كذلك الهداية الإلهية هي أصل الحياة العليا السعيدة.
و يتلخّص الكلام في حقيقة التأويل أنّه يستعمل في موردين:
الأول: في توجيه المتشابه، سواء أ كان كلاما متشابها، أم عملا مثيرا للريب. و التأويل بهذا المعنى خاصّ بالآي المتشابهة فحسب.
الثاني: في المعنى الثانوي للكلام، المعبر عنه بالبطن، تجاه المعنى الأوّلي المعبّر عنه بالظهر. و التأويل بهذا المعنى عام لجميع آي القرآن، فإنّ للقرآن ظهرا و بطنا، و ربّما إلى سبعة بطون.
[١] البقرة: ١٨٩.
[٢] راجع: تفسير شبّر: ص ٦٧، طبعة الكشميري.
[٣] الملك: ٣٠.
[٤] الزمر: ٢١.
[٥] راجع: تفسير الصافي: ج ٢، ص ٧٢٧.