التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٧ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ[١]. إذ لا يصح هذا الوصف إلّا إذا كانوا هم اختاروا الضلالة على الهدى، و إلّا فلو كان ذلك من فعل غيرهم لم يجز اطلاق لفظ «الاشتراء» هنا، كما لا يخفى.
و أمّا نسبة الاستهزاء إليه تعالى فهي معاكسة طبيعية كانت على اثر تقصيرهم في العمل الانساني، حيث المنافق- في سلوكه المزدوج- يستهدف مصالح يبتغيها وراء أعماله الاجرامية، و يظن أنّه يبلغها في ستار نفاقه المراوغ.
غير أنّ الواقعية تعاكسه في كلّ ما يبتغيه من أهداف، و تفضحه بين حين و آخر في سلوكه ذلك المزدوج الخبيث غير الانساني، فضلا عن عيشته تلك القلقة المضطربة يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ[٢] إذن فسلوك المنافق المزدوج هو الذي جلب على نفسه الفشل و دوام الاضطراب في عيشة غير هنيئة، الأمر الذي جعله سخرية الواقع و موضع استهزاء عارم. انّها واقعية مرة يجابهها المنافق مغبة خطئه في السلوك.
٧- صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ[٣] يدلّ على أنّهم ممنوعين من الايمان.
و الجواب: انّه مبالغة و تشبيه، لأنّهم لما لم ينتفعوا بهذه الحواس صاروا كأنّهم فاقدين لها، كما في قوله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ[٤]. و قال الشاعر:
|
لقد اسمعت لو ناديت حيا |
و لكن لا حياة لمن تنادي |
|
٨- يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً[٥] هلّا يدل على أنّ الاضلال من فعله تعالى؟
و الجواب: انّ هذا من كلام اولئك الذين كفروا، و من ثمّ جاءهم الرد
[١] البقرة: ١٦.
[٢] المنافقون: ٤.
[٣] البقرة: ١٨.
[٤] النمل: ٨٠.
[٥] البقرة: ٢٦.