التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٧ - حل شبهات المجبرة
قال القاضي: و لذلك قال الشاعر:[١]:
|
و لأنت تفري ما خلقت و بع |
ض القوم يخلق ثم لا يفري[٢] |
|
قال: و متى حمل الكلام على هذا الوجه كان حقيقته: أنّه تعالى قد قدر أفعال العباد و دبرها و بين أحوالها. فكان الخلق خلق تدبير لا خلق ايجاد و احداث.
قلت: حتى و لو كان بمعنى الإحداث و الإيجاد، صحّ أيضا على ما بيّنا من صحّة إضافة الأحداث و المولدات إليه تعالى حقيقة، و إن كان الفاعل لها غيره باعتبار خلق الجوّ الملائم لذلك التفاعل و التماسك الطبيعي العام.
قال: و وجه آخر: إنّ هذه اللفظة ليست للتعميم: كقول القائل: أكلت من كلّ شيء، و تحدثنا بكلّ شيء، و فعلت كلّ شيء. و قد قال تعالى:
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[٣]. و قال: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[٤]. و قال:
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها[٥]. و قال: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ[٦]. إلى غيرهن من آيات. حيث المقصد بذلك هي المبالغة في الكثير من ذلك النوع المذكور[٧].
و روى الصدوق في الخصال عن الامام الباقر (عليه السلام) و كذا في عيون الأخبار عن الامام الرضا (عليه السلام): «انّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين. و اللّه خالق كلّ شيء، و لا نقول بالجبر و التفويض»[٨].
[١] هو: زهير بن أبي سلمى. راجع: ديوان زهير ص ٥٤ ط دار الكتب. و لسان العرب و شرح الاصول الخمسة: ص ٣٨٠.
[٢] قال ابن منظور في معنى البيت: انت اذا قدرت امرا قطعته و أمضيته، و غيرك يقدر ما لا يقطعه، لانه ليس بماضي العزم، و أنت مضاء على ما عزمت عليه.
[٣] النحل: ٨٩.
[٤] الانعام: ٣٨.
[٥] الاحقاف: ٢٥.
[٦] القصص: ٥٧.
[٧] متشابهات القرآن: ج ١ ص ٢٥١- ٢٥٤.
[٨] تفسير الصافي: ج ١ ص ٥٣٦ نقلا عن الخصال و عيون اخبار الرضا( عليه السلام).