التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
١٨٦- كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ[١].
أي إنّ هذا القرآن قد أخذ طريقه إلى قلوب المجرمين أيضا فسمعوه و وعوه، و إن كان قد عارضوه و لم يؤمنوا به، فقوله: «كذلك سلكناه» أي على انحراف قلوبهم و اعوجاج مسالكها و مع علمنا بأنّهم لا يؤمنون به، و لكن اتماما للحجّة عليهم جعلنا من نفوذ القرآن ما يقهر كلّ الحواجز و لا يحول دون اشراق أنواره أي مانع، لطفا بالناس لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[٢].
و عليه فالضمير في «سلكناه» يعود إلى القرآن. و الكناية في «كذلك» تشير إلى المعلوم من حال المجرم أنّه صمود على عناده و رفض الحق.
و ربّما اعاد بعضهم الضمير إلى نفس التكذيب، و الكناية ترجع إلى هيئة عدم الايمان بالقرآن، فعلى هذه الهيئة نظمناه في قلوب المجرمين و أجريناه، فهو لا يجري فيها الا مكذبا به، و يظل على هيئته هذه حتى يروا العذاب الأليم.
و بهذا الوجه تمسّك الأشعري لاسناد كفر الكافر إلى اللّه سبحانه فلا يستطيع الاهتداء إلى الاسلام وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ[٣].
و قد تقدّم الجواب عن أمثال هذه التشبثات المنحرفة، حيث هذه التعابير في الآيات الكريمة لا تعدو مسألة «الخذلان» الذي استوجبوه على أنفسهم بسبب اصرارهم على رفض الحقّ و الاطاحة بحظّهم إلى المهوى السحيق[٤].
١٨٧- و هكذا قوله تعالى: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ[٥]، يحتمل التفسيرين، و الاجابة على الوجه الثاني هي الاجابة في الآية المتقدمة.
[١] الشعراء: ٢٠٠- ٢٠١.
[٢] النساء: ١٦٥.
[٣] الزمر: ٢٣.
[٤] راجع صفحة: ٢١٣- ٢١٤ و ٢٢٣- ٢٢٤ و غيرها.
[٥] الحجر: ١٢- ١٣.