التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - حل شبهات المجبرة
و أيضا فإنّ الآية بذاتها تعبير صريح عن هذا المعنى، قال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[١]. انظر إلى هذه الدقة في التعبير، ذكر خلق كلّ شيء أوّلا ثمّ عقّبه بعلمه بكلّ شيء. ثمّ ذكر خلق الأشياء ثانيا و عقّبه بكفالته لحفظها و تدبير شئونها ... فلو فرضنا الآية تشمل خلق أفعال العباد أيضا، فإنّ ذلك خير قرينة على إرادة علمه الشامل و تدبيره العام لشئون المحدثات على الإطلاق.
٧- إلى ١١- و قوله: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ[٢] يريد الخلق بمعنى الايجاد و الابداع، الذي لاحظ لمخلوق في ذلك سوى خلق الجوّ الملائم و فعل الشرط لا أكثر. و هكذا بقية الآيات التي تنفي قدرة غيره تعالى على الخلق يعني الاستقلال التام في الخلق و التكوين. الذي هو شأن المعبود تعالى و تقدس.
١٢- و قوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما[٣] ظاهر في الموجودات العينية، لمناسبة السنخية الملحوظة بين المتعاطفات: السماء و الأرض و كلّ موجد جسماني واقع بينهما. و الدليل على ذلك تمام الآية: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ[٤]. و لو كانت تشمل أفعال العباد أيضا لوجب حملها على إرادة التقدير و التدبير، لأنّ الأفعال متدرجة الحدوث بعد الستة الايام التي ثمّ فيها خلق السماوات و الأرض و ما بينهما من موجودات. و يشهد لذلك التعبير بالرب في آيات مماثلة:
رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا[٥]. و في قوله تعالى: وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ[٦] لدليل على خلقة سبقت وجود
[١] الانعام: ١٠١- ١٠٢.
[٢] النحل: ١٧.
[٣] الفرقان: ٥٩.
[٤] الفرقان: ٥٩.
[٥] الشعراء: ٢٤.
[٦] الحجر: ٨٥.