التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٨ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
٤٤- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها[١]. و قد مرّ نظيرها، و انّها كناية عن القسوة و الجفاء الذي مرّنوا عليه حتى صار كالطبع لهم. بدليل الآية بعدها:
وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ[٢]. و لو كان ذلك من فعله تعالى لما صحّ هذا التعبير و التوبيخ اللاذع.
٤٥- وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى[٣]. تقدم أنّ المشيئة هنا تكوينيّة. أمّا المشيئة التشريعية فقد شاء اللّه أن يكونوا جميعا على الهدى، حيث ارسل رسله إلى كافة الناس و وجّه دعوته إلى الجميع.
٤٦- وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[٤]. أي كأنّهم خشب مسندة لا يعقلون شيئا و لا يهتدون. و من ثمّ حرموا توفيق هدايته تعالى التي خصها اللّه لمن سعى إليه و استهدى لديه. فهذا هو الذي يشاء اللّه أن يجعله على صراط مستقيم، أمّا الذي أعرض و تولّى فهو الذي يشاء اللّه أن يضلله أي يخذله، حيث هو مهّد لنفسه سبب هذا الخذلان، وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[٥].
٤٧- قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ[٦] أي خذلكم و ترككم في ظلمات الغي تعمهون، على أثر هذا اللجاج و العناد الذي اتخذتموه تجاه وضح الحق الصراح. و قد تقدم الكلام في مثله.
٤٨- وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا[٧].
كان (صلّى اللّه عليه و آله) يقرب فقراء المسلمين من نفسه و يلتزم مجالستهم، و قد شق ذلك على أشراف العرب، فألزمهم الاسلام بترك أمثاله هذه النزعات الجاهلية، و كان ذلك امتحانا لمبلغ رضوخهم لتعاليم الاسلام، غير
[١] الانعام: ٢٥.
[٢] الانعام: ٢٦.
[٣] الانعام: ٣٥.
[٤] الانعام: ٣٩.
[٥] غافر: ٣١.
[٦] الانعام: ٤٦.
[٧] الانعام: ٥٣.