التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٣ - الرؤية
اللّه رائيا و لا عالما و لا قادرا، لأنّ العالم القادر الرائي، جائز أن يرى، و قد قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى[١].
١٠- و أجاب عن قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[٢] بأنّه يحتمل أن يكون لا تدركه الأبصار في الدنيا، و تدركه في الآخرة، لأن رؤية اللّه تعالى أفضل اللذات و أفضل اللذات يكون في أفضل الدارين. قال: و يحتمل: لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين[٣].
هذه عقيدة الأشعري- شيخ أهل السنة و الجماعة- في جواز رؤية اللّه تعالى بالأبصار، و عبثا حاول الشيخ محمد عبده تأويل كلامه و كلام أصحابه، بإرادة: كمال المعرفة بالذات[٤] حيث أحس بشناعة مذهب أسلافه، فحاول تغطيتها بهكذا تأويل مفضوح، و قد صرّح شيخهم الأشعري بأنّه النظر بهاتين العينين اللتين في الوجه[٥] و تقدم نقله.
و قد سبق الأشعري إلى هذه الشنعة امامهم الآخر أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٠٠- ٢٨٠)، في رسالة ردّ بها على الجهمية فيما زعم. حشاها باخبار زعمها أدلّة قاطعة على اثبات الرؤية و الجهة و المكان و الحركة في ذاته المقدسة، تعالى اللّه عن ذلك.
منها ما رواه عن شيخ بغدادي لا يعرفه، بالاسناد إلى أنس بن مالك، قال:
يتجلى لأهل الجنة في كلّ جمعة، تفسيرا لقوله تعالى: وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ. و بإسناد آخر فيه ضعف و جهالة، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، يحكي- فيما زعم- حالة المسلمين يوم القيامة، قال: و نحن على كوم يوم القيامة، إذ يأتينا ربنا، فيقول: ما ذا تنتظرون فنقول: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فنقول: حتى ننظر
[١] طه: ٤٦.
[٢] الانعام: ١٠٣.
[٣] الابانة- باب الكلام في اثبات رؤية اللّه تعالى بالأبصار في الآخرة-: ص ١٠- ١٩ ط ٢ حيدرآباد الدكن. و راجع ايضا كتاب اللّمع له باب الكلام في الرؤية ص ٦١- ٦٨.
[٤] تفسير المنار: ج ١١، ص ١٢٨- ١٧٨.
[٥] الابانة: ص ١١. و تقدم في ص ٩٠.