التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
١٦٥- قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[١]. القراءة الصحيحة المعروفة هي بسكون اللام في «خلقه» ليكون بمعنى «خلقته» أي صورته و شكله و وجوده، مفعولا ثانيا لأعطى. فمعنى الآية: ربّنا الذي أفاض على الأشياء وجوداتها أولا، ثمّ هداها إلى طرق معايشها. و هي هداية تكوينية جعلت في جبلة الأشياء- حسبما تقدم.
و المقصود من الاشياء- هنا- هي الموجودات العينية بقرينة «ثمّ هدى».
الأمر الذي يتنافى و شمول «كل شيء» للأفعال الاختيارية، كما زعمه الأشعري ضاربا على وتره.
١٦٦- لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ[٢]. طال ما تشبّث الأشعري بهذه الآية لنفي لزوم الحكمة فيما يفعله تعالى، زاعما دلالتها على عدم مسئوليته تعالى تجاه أفعاله، ان حسنا و ان قبيحا إذ لا حسن و لا قبح ذاتيين، و انما هما بالوجوه و الاعتبارات.
قال: القبيح منه تعالى حسن، و إنّما يقبح اذا كان من غيره[٣] و الجواب: انّه قد ثبت بالبرهان القاطع و بالضرورة من الدين، أنّه تعالى حكيم لا يفعل عبثا و لا يخلق ما لا فائدة وراءه و لا غرض في الايجاد: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ[٤].
اذن فانّما لا يسأل تعالى عمّا يفعل، للقطع بأنّ جميع ما يفعله صواب و كان وفق الحكمة و المصلحة الداعية إلى الايجاد، فكلّ ما يفعله تعالى حسن بلا ريب.
و إنّما يسأل عن السبب الداعي، إذا كان الفاعل ممّن يصدر عنه قبيح إلى جنب اعماله الحسنة. الأمر الذي لا يحتمله أفعال الحكيم على الاطلاق.
[١] طه: ٥٠.
[٢] الانبياء: ٢٣.
[٣] راجع كلامه في اللّمع ص ١١٦- ١١٧. نذكره في الملحق رقم ٢ ص ٤٦٤.
[٤] الانبياء: ١٦- ١٨.