التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٧ - رفع اليدين إلى السماء
ذلك العالم بهذا الكون المحسوس، احاطة تدبير و تربية، توجه أهل الأرض إلى خارج محيطها، لتصور هذا المعنى في مرتكزهم فصوروه في صورة المحسوس، و من ثمّ توقعوا نزول البركات من جهة العلو، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس، و قياسا للغائب بالمشهود.
٤١- ٤٢- و أحاديث نزوله تعالى، قد تقدم أنّه تعبير عن اقتراب رحمته من الناس و ترفرف بركاته عليهم، وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[١].
٤٣- و حديث نزوله يوم القيامة و تجليه للمؤمنين، قد تقدم الجواب عنه في أحاديث الرؤية. و أنّها أحاديث مفتعلة سوى التي دلّت على معنى معقول قابل لتأويل صحيح.
٤٤- ٤٥- و هكذا أحاديث إقباله تعالى على أهل الجنّة، فإنّها لم تصحّ، و الصحيح منها لا يدلّ على ما حسبه القوم من المقابلة الحسيّة و ما أشبه، و إنّما هي زلفى في دار رضوان.
رفع اليدين إلى السماء:
٤٦- و أمّا رفع الرأس و اليدين إلى السماء حالة الضراعة إلى اللّه و الابتهال إليه، فقد تقدم (ص ١٢٦) أنّ الانسان في فطرته يعلم بأنّ تدابير شئون هذه الحياة المادية، إنّما تتخذ في عالم آخر غير مادي، حيث يشاهد أنّ ما أحاط به من مظاهر هذا الكون جميعا أمثاله، ذوات حاجة و افتقار إلى من يدبّر شئونها، و من يقوم بسداد خللها، فلا بدّ أنّ وراء هذا المظهر ذي النقص و العجز، من جهاز مقتدر غني ذي قدرة و كمال، هو الذي يقوم بهذا التدبير و ذاك السداد، و ما هو إلّا عالم خارج عن المادة المفتقرة في ذاتها.
و إذا كان الانسان يرى من ذاك العالم اللامادي وراء هذا العالم، فانّه يراه
[١] ق: ١٦.