التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٠ - الاستهزاء و الخديعة
لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَ زُخْرُفاً وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ[١].
و ذلك لأنّ أكثريّة الناس ذووا ايمان ضعيف، و انما تبهرهم زبارج هذه الحياة و زخارفها، فإذا ما وجدوها خاصة بالكافرين لهبّ أكثرهم إلى الكفر و نسوا الآخرة.
و الآيات من هذا القبيل في القرآن كثير، ذكرنا منها نماذج عن البقية، و هي في مجموعها لا تتجاوز المائة آية.
الاستهزاء و الخديعة:
جاء في القرآن تعابير: «الاستهزاء» و «السخرية» و «الخديعة» و «المكر» و «الكيد». و انما هي أفعال تنمّ عن قبح و سفاهة لا يرتكبها الحكيم، و من ثمّ لما قال بنوا إسرائيل: «أ تتّخذنا هزوا» قال موسى- مستنكرا لهذه النسبة-:
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[٢].
و قد تأوّل العلماء لذلك تأويلات لطيفة و تخريجات أدبية بديعة!- قال الامام جار اللّه الزمخشري: و الخدع، أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه. الأمر الذي لا يصحّ من اللّه و لا من المؤمنين. لأنّ العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا ينخدع. و الحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع غيره. و المؤمنون و إن جاز أن ينخدعوا لم يجز أن يخدعوا، أ لا ترى إلى قول الشاعر:
|
و استمطروا من قريش كلّ منخدع |
ان الكريم إذا خادعته انخدعا |
|
فقد جاء النعت بالانخداع و لم يأت بالخدع! ثمّ أخذ في تأويل قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ[٣]. و ذكر وجوها، منها: أن يقال: كانت صورة صنعهم
[١] الزخرف: ٣٣- ٣٥.
[٢] البقرة: ٦٧.
[٣] البقرة: ٩.