التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢١ - الاستهزاء و الخديعة
مع اللّه حيث يتظاهرون بالايمان و هم كافرون، صورة صنع الخادعين. و صورة صنع اللّه معهم- حيث أمر باجراء أحكام المسلمين عليهم و هم عنده في عداد شرار الكفرة و أهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع. و كذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر اللّه فيهم فأجروا أحكامهم عليهم[١].
قلت: في التعبير أوّلا ب «يخادعون»، و ب «يخدعون» ثانيا، نكتة لطيفة و هي: أنّهم يحاولون خداع اللّه و المؤمنين، لكنهم لا ينخدعون فتصبح محاولاتهم فاشلة، أمّا حقيقة الخديعة فانها تقع بهم بالذات، حيث انهم هم الذين ينخدعون بما يتوهّمون من تأثير محاولاتهم الفاشلة.
انهم يدبرون المكائد بالمسلمين و يبطنون كفرا في ظاهر اسلام، زاعمين انهم بهذه الاساليب الجهنميّة سوف يعبرون بأهدافهم على عقول المؤمنين. غير أنّ اللّه يفضحهم بين أونة و اخرى و تصبح مكائدهم تفشل واحدة تلو اخرى.
أمّا عيشتهم فعيشة قلقة مضطربة، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ[٢]. أمّا المؤمنون ففي هناء من العيش آمنين مطمئنين. كما أنّ أحكام الاسلام برمتها تجري على المنافقين و على المؤمنين على سواء، في حين أنّ المؤمنين يقومون بها عن يسر و رحابة صدر، و يقوم المنافقون بها عن كراهية و عن مشقّة شديدة حيث فقد العقيدة الميسرة للتكاليف. وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى[٣].
وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى وَ لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَ هُمْ كارِهُونَ[٤].
و الخلاصة: ان المنافق المراوغ يحاول الخداع بالمؤمنين، و يقوم بأساليب هو يزعمها خدّاعة، غير أنّ الواقعية تعاكسه و يكون هو المنخدع بالذات:- أولا: لأنّ دسائسه تفتضح على الملأ و يعود و بالها عليه في نهاية المطاف، وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ[٥].
[١] تفسير الكشاف: ج ١ ص ٥٦- ٥٧ ط بيروت.
[٢] المنافقون: ٤.
[٣] النساء: ١٤٢.
[٤] التوبة: ٥٤.
[٥] فاطر: ٤٣.