التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - مسألة الهداية و التوفيق
مسألة الهداية و التوفيق:
أصل الهداية: الدلالة و الارشاد[١]، و غير أنّ أنحاء الدلالة تختلف حسب نوعيتها و مرتبتها في التأثير و البلوغ. فمن دلّ غيره على طريق يؤدّى إلى مقصده فقد هداه، كما أنّ الذي أخذ بيده و أوصله إلى مطلوبه أيضا هداه. ففي الأوّل يحتمل الضلال، و الثاني لا يحتمله. فقوله تعالى: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى[٢]، هداية من النوع الأول. و قوله تعالى: وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ[٣] هداية من النوع الثاني. و قد استعملت «الهداية» في القرآن على انحاء و درجات، نلخصها فيما يلي:- الاولى: هداية فطرية مرتكزة في جبلة الأشياء، سواء أ كان حيوانا أم نباتا أم جمادا. إذ ما من موجود إلّا و هو يهتدي- اهتداء ذاتيا- إلى طرق الصلاح و الفساد، ممّا يتلائم و طبعه فيسعى في جلبه، أو ينافره طبعه فيقوم في وجهه، بدافع من فطرته التي فطره اللّه عليها رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[٤]. وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى[٥]. الأمر الذي نشاهده- بوضوح- في نظام
[١] كما في قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ- الصافات: ٢٣. و قوله: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- أي بالاهتداء بالنجوم- النمل: ٦٣، كما في قوله: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- الانعام: ٩٧.
[٢] فصلت: ١٧.
[٣] الزمر: ٣٧.
[٤] طه: ٥٠.
[٥] الأعلى: ٣.