التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٠ - حاجة الى مخلوق!
و الجواب: انه معلّق على شيء لم يقع، أي لو لا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فبما انه رأى برهان ربه فانه لم يهم بها قط. كما في قولك: لو لا علي لهلك عمر.
و معناه انه لم يهلك عمر لوجود علي.
فالكلام من جهة امرأة العزيز مطلق غير مقيد، فقد همّت به قطعيا. أمّا من جهة يوسف فلولا أنّه من عباد اللّه المخلصين. و كان نور الايمان مشعا من قلبه المبارك، لكان أيضا هم بها، لانه شاب و له من شهوة الرجال ما لهم، و لا سيما و هي تقبل عليه بذلك الاقبال العارم، فكانت مقتضيات الهم موجودة فيه (عليه السلام) لو لا قوّة المانع في وجوده، و هو ايمانه الراسخ المسيطر على جميع مشاعره و أحاسيسه، فلم تكن لتطغى عليه شهوته و هو عبد خالص للّه. و قد شهدت زليخا بشأنه العصمة، قالت وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ[١].
فضلا عن شهادة اللّه بحقه: وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ[٢].
و هذا هو البرهان الذي رآه، أي ايمانه الراسخ الذي تجلى له حينذاك بالخصوص فحال سدا منيعا دون أن يهم بالمعصية أصلا.
حاجة الى مخلوق!
قالوا- في قوله تعالى: وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ[٣]-: ان الشيطان انسى يوسف ذكر ربه فتوسل إلى مخلوق لخلاص نفسه! لكن الضمير رجع إلى الموصول «الذي ظن انه ناج»[٤]. و أمّا عمل يوسف
[١] يوسف: ٣٢.
[٢] يوسف: ٢٣.
[٣] يوسف: ٤٢.
[٤] راجع: الميزان: ج ١١ ص ١٩٩.