التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٠ - مسألة السعادة و الشقاء
لكنه تعالى خلقهم فأمرهم و نهاهم، ليكونوا هم الذين يطيعون و يعصون.
الزنديق: أ ليس العمل الصالح و العمل الشر من فعل العبد؟.
الامام: العمل الصالح يفعله العبد و اللّه أمره به، و العمل الشر يفعله العبد و اللّه نهاه عنه.
الزنديق: أ ليس فعل العبد بالآلة التي ركبها فيه؟
الامام: نعم، و لكن بالآلة التي عمل بها الخير، قدر بها على الشر الذي نهاه ... الخ[١].
و بعد فاليك من آيات السعادة و الشقاء نماذج:
١- قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ[٢].
زعمت الأشاعرة- و هم جبرية خالصة على ما أسفلنا[٣]- ان هذه الآية الكريمة تدل على مذهبهم في الجبر، و ان السعيد من كتبت له السعادة فلا يستطيع غيرها. و الشقي من كتب له الشقاء فلا يستطيع غيره، و من ثمّ اخبر سبحانه بان من يدخل الجنة هم السعداء، و ان من يدخل النار هم الأشقياء! قال مفسرهم و امامهم المتفلسف الفخر الرازي- بشأن دلالة الآية-: اعلم انه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد، و على بعضهم بأنّه شقي.
و من حكم اللّه عليه بحكم و علم منه ذلك الأمر، امتنع كونه بخلافه. و إلّا لزم ان يصير خبر اللّه تعالى كذبا و علمه جهلا، و ذلك محال. فثبت ان السعيد لا ينقلب شقيا. و ان الشقي لا ينقلب سعيدا. قال: و تقرير هذا الدليل مرّ في هذا الكتاب (يعني تفسيره الكبير) مرارا لا تحصى.
قال: و
روي عن عمر بن الخطاب انه قال: لما نزل قوله تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ
[١] الاحتجاج للطبرسي: ص ١٨٦. و البحار: ج ٥ ص ١٨- ١٩ رقم ٢٩.
[٢] هود: ١٠٥.
[٣] راجع: ص ٦٩ فيما اثبتناه عن أبي الحسن الأشعري في قوله بالجبر.