التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - لما ذا في القرآن متشابه؟
الناس منازلهم، و أن نخاطبهم على قدر عقولهم»[١].
و قد انتهج الإمام الرازي نفس المنهج، قال: و السبب الأقوى في هذا الباب: أنّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواصّ و العوامّ جميعا. و طبائع العوامّ تنبو- في أكثر الأمر- عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوامّ- في أوّل الأمر- اثبات موجود ليس بجسم و لا بمتحيز و لا مشار إليه، ظنّ أنّ هذا عدم و نفي فوقع التعطيل. فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهّمونه و يتخيلونه، و يكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح. فالقسم الأوّل- و هو الذي يخاطبون به في أول الأمر- يكون من باب المتشابهات، و القسم الثاني- و هو الذي يكشف لهم في آخر الأمر- هي المحكمات[٢].
و هذا المنهج الذي انتهجه الفيلسوفان، في توجيه وجود المتشابه في القرآن، معالجة للقضية في بعض جوانبها، و هي الآيات المتشابهة المرتبطة مع مسألة المبدأ و المعاد، و ليس علاجا حاسما للمادة من جذورها، إذ تبقى آيات الخلق و التقدير، و القضاء و القدر، و الجبر و الاختيار، و العدل و العصمة، و ما شاكل، خارجة عن إطار هذا العلاج.
أمّا العلاج الحاسم لمادّة الإشكال في كلّ جوانب المسألة، فهو: أنّ وقوع التشابه في مثل القرآن- الكتاب السماوي الخالد- شيء كان لا محيص عنه، ما دام كان يجري في تعابيره الرقيقة مع أساليب القوم، في حين سموّ فحواه عن مستواهم الهابط.
القرآن جاء بمفاهيم حديثة كانت غريبة عن طبيعة المجتمع البشري آنذاك، و لا سيما جزيرة العرب القاحلة عن أنحاء الثقافات، في حين التزامه- في
[١] الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد: ص ٨٩ و ٩٦ و ٩٧ و ١٠٧.
[٢] التفسير الكبير: ج ٧، ص ١٧٢ و هو خامس وجوه ذكرها بهذا الصدد.