التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - الفوقية
انّه تعالى كان و لا مكان، لا خلاء، و لا ملاء، فلم يكن فوق و لا تحت و لا جهة من الجهات، إذ لا موجود سواه تعالى. و لما خلق اللّه هذا الكون ذا الجهات الست، انتزعت له تعالى صفة الخالقية و الإبداع و تكوين الأكوان، و لا شك أنّه تعالى قبل أن يخلق الكون لم يكن في كون، و هكذا بعد ما خلق الكون لم يحل في كون، فلم يزل كائنا لا في كون. و لم يزل موجودا لا في جهة، كما كان قبل أن يكوّن الكون و يوجّه الجهات.
و بعد فنسبة ذاته المقدسة إلى الأكوان و الجهات نسبة الترفع و التعالى عنها، لأنّها محدثات، و لا تناسب بين الحادث الممكن بالذات و الازلي الواجب بالذات. انّه تعالى فوق كلّ شيء و متعال عنها، لأنّه أوجدها و أحدثها، و المخلوق تحت الخالق و الصانع فوق المصنوع، تحتية لا بالجهة و فوقية لا بالجهة، بل بالاعتبار و السببية المنتزعة ممّا بينهما من نسبة قائمة.
و هذا إذا ما لاحظنا من تباين ما بين عالم المادة و عالم ماوراء المادة، و بما أنّنا عائشون في وسط من العالم المادي، فإذا أردنا الاشارة إلى العالم الآخر غير المادي، أشرنا- طبعا- الى خارج عالمنا هذا، و هذه الاشارة تقع إلى جهة «فوق» لا بما أنّه «فوق»، بل باعتبار أنّ كل خارج عن هذا العالم المادي- في المحسوس- فوق من كلّ الجهات، حيث الواقف في مركز كرة إذا أراد الإشارة إلى خارجها، لا بدّ ان يشير إلى خارج سطح الكرة، الذي هو فوق بالنسبة إليه من كلّ الجهات.
و هكذا بالنسبة الينا و نحن عائشون على الأرض إذا أردنا الاشارة إلى خارج عالمنا هذا، إشارة بالحس، لا بدّ أن تقع إشارتنا إلى خارج هذا المحيط، و هو فوق في جميع جوانب هذه الأرض.
و عليه فإذا ما اعتبرنا أنّ تدابير هذا العالم المادي في جميع أرجائه، تنحدر من عالم ماوراء المادة من عند ربنا العزيز الحكيم، صحّ إطلاق القوق عليه تعالى،