التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٣ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
لا يستدعي الإجبار و الإلجاء بعد أن كانت المصلحة تستدعي اختيار الناس فيما يزاولون، لحكمة التكليف و الاختبار. فاللّه تعالى جعل من الامور تترتب بعضها على بعض حسب سلسلة المعاليل التي ركبها في طبيعة الأشياء. فإذا ما فعل الانسان أمرا فإنّ له آثارا تترتب عليه لا محالة فهو بذاته مسئول عنها و ان كان ذلكم الترتب هو صنيعه تعالى، حسبما تقدم تحقيقه.
٣٠- وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ[١].
قالت الأشاعرة: يدل على أنّه تعالى هو الذي يريد منهم الكفر و أن يصيروا إلى جهنم! و الجواب: أنّه تعالى انّما يريد أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة، بسبب كفرهم و هذا كقولنا: اريد معاقبة فلان لأنّه خالف أمري. و إلّا فلو كان تعالى هو الذي أراد منهم الكفر لم يصح كون الآية تسلية للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا كونها انكارا لاذعا بمسارعتهم إلى الكفر! و غاية الأمر أنّ في الآية تلميحا إلى استدراجهم على الكفر معاقبة لهم، و معاكسة مع لجاجهم مع الحق.
٣١- و هكذا قوله: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً[٢]. أيضا استدراج عقوبة على اصرارهم في الغيّ و العناد.
و اللام في «ليزدادوا» لام العاقبة، كما في قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً[٣]. أي يكون أثر هذا الاستدراج هي الزيادة في الاثم و الكفر. و سنبحث عن مسألة «الاستدراج» في فصل خاص.
٣٢- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ[٤].
[١] آل عمران: ١٧٦.
[٢] آل عمران: ١٧٨.
[٣] القصص: ٨.
[٤] النساء: ٤٩.