التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٧ - مسألة الاستدراج
عن معالم الانسانية العليا، و عن الاستقامة على الطريقة المثلى الكريمة.
و قد يبلغ به التيه إلى حيث لا يرعوي و ان بلغ به الجهد مبلغه في العطب و العناء فقد تمكّن الشيطان من نفسه و غلبه هواه و صرعته الخطايا و الآثام، الأمر الذي افتقد معه جميع دلائل الحياة[١]، فلا فعالية له و لا إرادة و لا إدراك و لا احساس: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ- و الحال هذه- لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ[٢].
إذن فلا فائدة في التضييق على مثل هذا الهائم في بيداء الضلال إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ[٣] فيوفر اللّه عليه نعمه في هذه الحياة[٤]، فلا يمدّ يدا إلى حاجة الا و قد نالها، و لا ينطلق في جهة الا و قد وافته الأماني و اقبلت عليه الدنيا بكلّ زخارفها، فلا يزداد إلّا اغترارا و ابتعادا عن رضوانه تعالى فانقلبت نعم اللّه عليه نقما و خذلانا، كما كانت البلايا بالنسبة إلى المؤمن الصالح نعما و ألطافا.
قال أبو عبد اللّه الامام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة و يذكّره الاستغفار. و إذا أراد بعبد شرّا فأذنب ذنبا، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار و يتمادى بها، و هو قول اللّه عزّ و جلّ:
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قال: بالنعم عند المعاصي.
و سئل (عليه السلام) عن الاستدراج، فقال: «هو العبد يذنب الذنب فيملي له و يجدّد له عندها النعم فتلهيه عن الاستغفار من الذنوب، فهو مستدرج من حيث لا يعلم».
[١] تقدم تفسيرنا لآية الحيلولة: ٢٤ من سورة الانفال ص ٢٤٥، بهذا المعنى، فقد حالت الخطايا بينهم و بين قلوبهم فلا يكادون يفقهون شيئا.
[٢] الانفال: ٢٢- ٢٣.
[٣] النمل: ٨٠.
[٤] لان في التضييق قد يكون انقلاع عن المعصية و رجوع الى اللّه بالانابة اليه، فهو لطف- أحيانا- و توفيق، يمنعه تعالى عن المتمرد العنود، حيث العلم بعدم التأثير.