التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
لسانه، لانّه تعالى يعلم ما في نفسه، و سيحشره إليه فينبئه بما انطوت عليه جوانحه يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ[١]. وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً[٢].
قال: و أيضا فإنّ اللّه تعالى لما كان هو المالك لقلب الانسان، الحائل بينه و بين قلبه، كان تعالى هو المتصرف في قلب الانسان بما يشاء. فكل ما يجده الانسان من حالات نفسية: ايمان أو شك خوف أو رجاء. طمأنينة أو اضطراب مما ينتسب إلى اختياره أو اضطراره فإنّ لها انتسابا آخر إليه تعالى لتصرفه بالتوفيق أو الخذلان و سائر أنواع التربية الالهية، و ان كانت تبعاتها متوجهة إلى الانسان ذاته وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ[٣]. لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٤].
فمن الجهل أن يثق الانسان بما يجده في قلبه من إيمان حق أو نية حسنة أو همة إلى صلاح و تقوى، بأن يرى استقلاله بملك قلبه و قدرته الخاصة على التصرف كيف يشاء. فان القلب بين اصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء. و هو المالك له حقيقة و المحيط به احاطة وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ[٥].
فأجدر بهذا الانسان أن يؤمن بالحق، و يعزم على الخير، و يلتزم الرشد لكن على مخافة منه تعالى أن يصرف قلبه من سعادة إلى شقاء، أو يحوّله من استقامة إلى انحراف، فلا يأمن مكر اللّه، إذ لا يؤمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون.
قال: و كذلك إذا وجد انسان من نفسه الاشمئزاز و النفرة عن قبول كلمة الحق أو رفض الخير و الاعمال الصالحة، فعليه أن يبادر إلى استجابة اللّه و رسوله في الدعوة إلى ما يحيي القلوب، لأنّه بهذه الحالة آخذ في موت قلبه، فلا يستسلم لقيادة اليأس و القنوط. انّه تعالى قادر على أن يحول حاله إلى أحسن الحال، فان
[١] غافر: ١٦.
[٢] النساء: ٤٢.
[٣] الرعد: ٤١.
[٤] التغابن: ١.
[٥] الانعام: ١١٠.