التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - فرضية الاحباط في خطوات
عليه لا من العقل و لا من النقل، فضلا عن مخالفته لعموم الكتاب و السنة، و منافاته لاصول العدل و الحكمة في باب المجازاة:
أوّلا: إذا كنا نقول في باب المجازاة بالاستحقاق- كما عليه العدلية- فما الذي دعا بسقوط مثوبات كان يستحقها المحسن ازاء أعماله الحسنة، بمجرد سيئة ارتكبها، لغلبة شهوة أو شرائط اخر وافته في ذلك، من غير ان يكون قد طغى على مولاه و لا قاطعا لأواصر العبودية التي كانت تربطه مع مولاه؟! نعم لو كنا نقول بأن المؤمن إذا عصى خرج عن الايمان- كما يقوله المعتزلة و يثبتون له منزلة بين المنزلتين- لكان لهذا الاحتمال الباطل مجال، لكنا رفضنا هذا الرأي، و ان الفاسق- عندنا- باق على ايمانه ما لم يجحد أو ينكر الرسالة.
و من ثمّ فهو كما يستحق مذمة و عقابا على معصيته، كذلك يستحق مدحا و ثوابا على ثباته على الايمان و سائر أعماله الصالحة. و لا تنافي بين الأمرين- حسبما تقدم- فيعاقب عقابا منقطعا ثمّ يثاب على الحسنات، إذا لم يشمله الغفران من أول الأمر.
ثانيا: معنى تقييد المثوبات و اشتراطها بعدم لحوق سيئة أبدا، هو اشتراط العصمة طول العمر كما في الأنبياء و الأئمة المعصومين! و هل من العدل و الحكمة ان يشترط المولى الكريم، على عباده- الذين خلقهم على درجات من ضعف و عجز تجاه نزعات و مشتهيات نفسية و غيرها من مغريات- ان لا يرتكبوا ذنبا طول حياتهم كي يفوزوا بثواب ما يعملون من الصالحات؟!. و هل هذا ممكن؟! و هل يمكن لأحد ان يتخرج من الايفاء بهذا الشرط بسلام؟! ثالثا: منافاته لعموم الكتاب و السنة و اطلاقهما من غير ما مخصص أو مقيد.
قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. و هذا عام يشمل الاعمال الحسنة التي قام بها مرتكب السيئة المتأخرة أيضا.
و هكذا قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ