التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٣ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
و هناء. فلا ينبغي لسالك سبيل- مهما كانت من طاعة أو عصيان- أن يغفل من نفسه تلكم الحالات المفاجئة في حياته، المغيّرة للمسير أحيانا، فلا يغتر مؤمن بايمانه ليأخذه العجب بنفسه فيزلّه عن الصراط بغتة. و ان في قصة ذلك التحول النفسي الذي فاجأ بلعم باعورا، لدرسا و عظة. و هكذا لا ييأس العاصي بتوافر خطيئاته مهما كانت عظيمة، ليأخذه القنوط من روح اللّه و الشعور بالحرمان الأبدي، ليسترسل في طغيانه. بل العبد- سواء أ كان مطيعا أم عاصيا- فإنه دائما بين خوف و رجاء، لا يأس و لا اغترار.
و لعل هذا هو المراد
في الحديث المأثور: «ان قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء».
و
في لفظ آخر: «إذا شاء أزاغها و اذا شاء أقامها»
و
قد روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يدعو: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ثمّ يقرأ: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ[١].
و قال يعقوب منبها لبنيه: وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ[٢]. و
في الحديث المستفيض «انّ لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها بكثرة الاستعداد»[٣].
و الآثار من هذا القبيل كثيرة جدا.
و هذا معنى لطيف و دقيق للغاية. غير ان تفسير الآية الكريمة بذلك ربما لا يلتئم و كونها تهديدا بموقف المشركين ممن امتنعوا عن قبول الدعوة و عن اجابة الرسول.
٢- ان الآية كناية عن سلطانه تعالى في عالم الوجود، و انه المتصرف فيه كيف يشاء لا رادّ لقضائه. وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ[٤]. فهو تعالى املك من كل انسان لقلبه، الذي هو منبعث اراداته و قصوده في كلّ ما يعمل أو
[١] راجع الدرّ المنثور: ج ٢ ص ٨- ٩، و مصابيح الأنوار للسيّد شبّر: ج ١ ص ٤٢٤ رقم ٧٧، و الآية ٨ من سورة آل عمران.
[٢] يوسف: ٨٧.
[٣] راجع: عوالي اللآلي: ج ٤ ص ١١٨.
[٤] الزمر: ٦٧.