التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٨ - خاتم النبيين
*- الاولى- قوله تعالى: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً[١].
زعموها نزلت بشأن قصة الغرانيق! و لكن الآية ترمي شيئا آخر لا مساس له بتلك القصة، و ذلك ان قريشا بعد ما أيست من التغلب على دعوة الحق، و رأت ان الدعوة تتقدم بسرعة مع الليالي و الايام، حاولت الاصطلاح مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليجاملهم بعض الشيء، فلا يذكر آلهتهم بسوء و لا يسفه أحلامهم علانية، و شرطوا عليه إن كان يرغب في موادتهم و مراودتهم ان يجتنب مجالسة العبيد و السفلة الاذلاء و يطردهم عن حاشيته و بالتالي يداهنهم في سيرته النزيهة التي تمثل منهج العدل و الحكمة، فيحولها إلى سلوك أهل الكبرياء و أصحاب الترف في الحياة.
و قد تحرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تجاه اقتراحهم هذا الثقيل، فمن جهة كان يرغب شديدا في ايمان قومه، فكان يرى لو جاملهم بعض الشيء لاستطاع اخضاعهم للاسلام، و من جهة اخرى كان عليه صعبا جدا ان يحول من سيرته العادلة إلى سيرة جبارة، و لم يكن يستطيع ذلك أبدا.
فنزلت الآيات تيئيسا لمطمع أهل الشرك و الفسوق، و ترويحا بنفسه الكريمة ليتخلص عن المأزق الذي وقع فيه. فليكن على قاطع من أمره أنه يسير على المنهج الحق، و ان لا مطمع في ايمان هؤلاء الانذال حتى و لو جاملهم في الأمر.
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ[٢].
قال تعالى: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ أي حاولوا خداعك. «عن الذي
[١] الاسراء: ٧٣- ٧٥.
[٢] الشعراء: ٢٠٠- ٢٠١.