التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٣ - مسألة التوحيد في الأفعال
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً[١]. و قال: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى[٢].
و قال: وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ[٣]. و سنبحث عن انحاء الهداية و درجاتها في فصل قادم.
مسألة التوحيد في الأفعال:
التوحيد الكامل هو الاعتقاد بأنّه تعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله. ثلاث مسائل تبحث عن توحيده تعالى، الاولى: توحيد الذات «ليس متركبا من أجزاء». الثانية: توحيد الصفات «ان صفاته الثبوتية جمع لا تنم عن تعدد معان قائمة بذاته المقدسة، بل كمال توحيده نفي الصفات عنه، و لا شيء هناك سوى ذاته القديمة انتزعت لها تلك النعوت». الثالثة: توحيد الأفعال «لا شريك له في الخلق و الايجاد».
و هذه المسألة الأخيرة هي موضوع بحثنا الآن: إذا كان العبد مستقلا في أفعاله، و كان هو الذي يوجدها و يحدثها وفق ما يريد، ان شاء فعل و ان شاء ترك،- كما عليه مذهب أهل العدل- فهلّا يصدق حينذاك أنّ في عالم الخلق و الايجاد مؤثرين: اللّه فيما يختص به من أفعال. و العبد فيما يختص به من أفعال؟! و ان قلنا: انّ ما يصدر من العبد من أفعال اختيارية، ليس مستقلا في ايجادها، بل اللّه يشركه في الاحداث و الايجاد، فالأمر أسوأ، لانّه يقتضي التشريك في الخلق و الايجاد، المنافي لمسألة توحيد الأفعال؟!.
قلت: لا منافاة بين الأمرين، استقلال العبد فيما يحدثه من أفعال (الأفعال الاختيارية) و كونها لا تحدث و لا تتحقق خارجا إلّا بإذنه تعالى و ايجاده، تحقيقا لقاعدة «لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه» و لقوله تعالى:
[١] الانسان: ٣.
[٢] فصلت: ١٧.
[٣] الاحزاب: ٤.