التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٥ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ[١].
و إنّما أسند تعالى الختم إلى نفسه، في حين أنّهم في آية اخرى جعلوه من ذات أنفسهم «قلوبنا في أكنة»، لأنّه تعالى باقداره لهم على فعل كلّ من الطاعة و العصيان، تمهيدا لصحة التكليف و الاختبار، فقد مكنهم على هذا الجموح و تلك المقاومة تجاه الحق.
و أيضا فإنّ خذلانه تعالى لهم و منعهم شمول لطفه الخاص، على اثر استكبارهم عن قبول الهدى، جعله تعالى كأنّه هو الذي ختم على قلوبهم و على سمعهم و جعل على أبصارهم غشاوة. قال تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ. وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً. فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ[٢]. فقد جاء في هذه الآية الختم و الغشاء تفسيرا لاضلاله تعالى الذي هو خذلان و ترك لهم في ظلمات لا يبصرون. قال تعالى:
وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[٣]. و الآيات يفسر بعضها بعضا.
و أخيرا فلو كان اللّه هو ختم على قلوبهم فلا يؤمنون إلّا قليلا، فما هو السبب المبرر لتوجيه الملامة إليهم و ذلك الاستنكار في قوله تعالى: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[٤]. و قوله: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا[٥]. إلى غيرهما من آيات؟! ٥- فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً[٦] يعني: كفرا و شكّا. و ذلك يدلّ على أنّه تعالى يخلق الشك و الكفر في قلوب الكافرين و المنافقين.
و الجواب: انّ المقصود بالمرض في الآية هو الانحراف و الميل إلى الفساد، كما أنّ الجسم إذا انحرف عن استقامته في الصحة كان مريضا، كذلك الروح إذا
[١] البقرة: ٨٨.
[٢] الجاثية: ٣٣.
[٣] الكهف: ٢٨.
[٤] الانشقاق: ٢٠.
[٥] الاسراء: ٩٤.
[٦] البقرة: ١٠.