التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - هل في آيات الحبط عموم؟
سيئة واحدة لا حقة ليست بالتي تمحق الحسنات السابقة بأسرها، كما يرومه القائل بالحبط! فلا مساس للآية بمسألة الاحباط رأسا.
٣- و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى، كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا، وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[١].
ربما يزعم البعض أنّ في الآية الكريمة دلالة على الحبط بشأن المؤمنين أيضا.
فان الامتنان و الأذى معصية تمحق حسنة الصدقة السابقة، و من ثمّ قال تعالى في الآية قبلها: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ[٢].
قلت: إذا كان من شرط الصدقة- و هي عبادة- قصد الخلوص و القربة إلى اللّه لانها انفاق في سبيل اللّه، فان المنة على المتصدق عليه مناقضة صريحة لماهية الصدقة و قلب لها من كونها قربة إلى كونها رياء و سمعة، فضلا عن كونها أذى و هتكا لشخصية مسلمة كريمة.
فالصدقة مع المنة ليست بصدقة في حقيقتها، و من ثمّ فلا حسنة كي تمحقها سيئة، فلا موضوع في الآية لمسألة الاحباط! و هذا نظير ما كان أحد الصوفية يرتكبها، كان يسرق ثمّ يتصدّق به، زاعما ان الحسنة تقابل بالعشر و السيئة بواحدة.
فقال له الامام (عليه السلام): ويلك، أمّا قرأت: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ[٣].
و سيوافيك الحديث (ص ٤٠٠) في بحث التكفير.
[١] البقرة: ٢٦٤.
[٢] البقرة: ٢٦٢- ٢٦٣.
[٣] المائدة: ٢٧.