التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٦ - هل في آيات الحبط عموم؟
يصح في شأنه ان يقال: انه يمشي بعد الأكل. و لا يضر بهذا الاطلاق ان لا يمشي بعد الأكل أحيانا، إذا لم يخالف عادته رأسا.
فالمؤمن المعتقد هو الذي يلتزم على نفسه بأن يجتنب المعاصي و لا يقتر بها و لا يضره الاقتراف أحيانا على خلاف المعتاد. و هذا يصدق بشأنه «انه يجتنب الذنوب» أي يحاول بكل جهده اجتنابها و ان كان قد تعاكسه الظروف رغم عادته.
و من ثمّ قال تعالى- بشأن المؤمنين فيما يخص جانب تركهم للمعاصي-:
وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ، وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ[١]. و لم يقل: «اجتنبوا» لان الماضي يدل على تواصل الاجتناب في الماضي، و يثلمه التخلف في فترة أو فترات. فمن ارتكب كبيرة مرة أو مرّات طول حياته، لا يصدق بشأنه أنه اجتنبها بصيغة الماضي، لكن يصدق بشأنه انه مجتنب أو يجتنب المعاصي بصيغة اسم الفاعل أو المضارع.
و لذلك لما جاء دور معصية خصوص الشرك، عبّر تعالى بصيغة الماضي:
وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها[٢]. لانها معصية غير مغفورة و ليست بالتي لا تضر بالايمان أن يقترفها المؤمن أحيانا في حياته! و الخلاصة: انه تعالى ذكر في الآية الكريمة أولا جانب الايمان و فعل الطاعات و عبر عنه بصيغة الماضي، دلالة على الاستمرار و التواصل «الذين احسنوا». ثمّ ذكر جانب ترك المعاصي و اجتناب المحرمات، و عبّر عنه بصيغة المضارع، دلالة على اعتبار كون المؤمن بانيا على تركها و ملتزما على نفسه اجتنابها، الأمر الذي لا يضره الاقتراف أحيانا. إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ[٣].
ففي هذا الاختلاف في التعبير ماضيا و مضارعا- دلالة واضحة على ان
[١] الشورى: ٣٧.
[٢] الزمر: ١٧.
[٣] هود: ١١٤.