التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - لما ذا في القرآن متشابه؟
لها قوى الأرض و السماء وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً[١] كل ذلك بفضل نبوغه و استعداده الخارق الذي يمنحه القدرة على الخلق و الابداع، على أثر تفكيره و جهاده في الوصول إلى درجة الكمال، و ليتمثل مظهريته تعالى، فهو الموجود النموذجي لمظهرية ذي الجلال و الإكرام، و من ثمّ كان خليفته في الأرض يومذاك ليصبح خليفته في عالم الوجود إطلاقا.
لم تكن العرب تستطيع إدراك هكذا تصور عن الإنسان، و لا كان يخطر ببالها إنّ لهذا الإنسان شأنا في عالم الوجود، سوى أنّه الموجود الضعيف الذي تتألب عليه الضواري، و لا يقتات إلّا على لحوم بني جلدته سلبا و نهبا و اراقة للدماء و الفساد في الأرض.
و من ثمّ لمّا جاء التعبير عن شأن آدم بهكذا تعبير، ينم عن عظمة و إكبار، حسبوه «المتصرف في الأرض» عن جانب اللّه القابع في زاوية السماء! أو فسروه- كما في عصر متأخر- بأنّه الخلف عن مخلوق كان قبل آدم، الجن أو النسناس. و هكذا الانجذاب بالآية يمنة و يسرة، ما دام لم يعرفوا من حقيقة الانسان، و لا أدركوا من شأنه الخطير.
و هكذا جاء التعبير المجازي في آيتين لا تختلفان من حيث الأداء و التعبير، غير أنّ احداهما لما كانت تعبّر عن معنى هو فوق مستوى العامّة، حصل فيها التشابه، أمّا الاخرى فكانت تعبيرا عن معنى محسوس، و من ثمّ لم يقع فيها إشكال. فقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[٢] فيها مجاز الحذف، أي إلى رحمة ربّها. كما في آية أخرى نظيرتها: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ[٣] أي أهل القرية. غير أنّ الأولى صارت متشابهة، لقصور أفهام العامّة عن إدراك مقام الالوهية، فحسبوا منها جواز رؤيته تعالى. أمّا الآية الثانية فلم تتوقف في فهم حقيقتها، لأنّها في
[١] الجاثية: ١٣.
[٢] القيامة: ٢٣.
[٣] يوسف: ٨٢.