التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - الفوقية
السجدة: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ[١]. و لكن أنّى لذوي الأفهام المتحجرة في اطار «الدعوة السلفية» من إدراك فنون كلام اللّه البديعة!.
١٤- و قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى[٢] الضمير يعود إلى جبرائيل المعبر عنه قبل الآية بقوله: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى- أي جبرئيل بما حمله الله أو الله برسالة جبرائيل- إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى[٣] و قد تقدم شرحه[٤].
و على تقدير عود الضمير إلى اللّه، فالمقصود من هذا الدنو هو قرب الشرف و دنو الكرامة لديه تعالى، لا القرب المكاني المحدود بالجهات.
١٥- و قوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا[٥] لا يدلّ على أنّه تعالى منحاز عن خلقه انحيازا بالمكان و الجهة، ليكون هو في جهة أو بقعة و الخلق في جهة و في رقعة اخرى من هذا العالم الفسيح، كلّا، بل هو حجاب ذاتي لما بين الواجب تعالى و عامة الممكنات من بينونة ذاتية، لا سنخية بينهما و لا تجانس.
ذاك كمال مطلق في علو العز و شرف الغنى و الاقتدار، و هذا غاية في النقص و العجز و الافتقار. و تقدم ان الحجاب- هنا- حجاب معنوي، لبعد الفاصلة بين كمال الواجب و نقص الممكن.
١٦- و قوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ[٦]، كقوله: ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٧] ردّ إلى حكمه تعالى يوم لا حكم إلّا حكمه، حسبما تقدم في آيات مشابهة لذلك. و من ثمّ تعقبها قوله أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ- نفس الآية. قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٨].
[١] السجدة: ١١.
[٢] النجم: ٨.
[٣] النجم: ٥- ١٠.
[٤] في الجزء الأوّل ص ٦٠ فما بعد.
[٥] الشورى: ٥١.
[٦] الانعام: ٦٢.
[٧] الجمعة: ٨.
[٨] القصص: ٨٨.