التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٨ - الأعضاء
محبطا به من كل الجوانب، احاطة المدبر- بالكسر- بالمدبر- بالفتح-، و أعلى منه، علو الكمال على النقص، و متبائنا منه، تبائن القدرة عن العجز.
و بعد فإذا كان الانسان يرى ما بين العالمين هذا التباعد، و كان يرى من عالم الشهود مد بصره في جميع جوانبه، يا ترى، فأين يقع عالم الغيب؟! لا بدّ أنّه محيط بهذا العالم، و إذا كان محيطا به فهو فوقه، لأنّ كلّ محيط بجسم كرّي فهو فوقه من جميع الجهات لا محالة، هكذا يتصوره تجسيم الخيال. إذن فعالم الغيب هو فوق هذا العالم الذي نعيش فيه هذه العيشة المادية، قياسا لغير المحسوس بالمحسوس في كلّ ما يتصوره الإنسان من شئون ماوراء محسوسه إذا ما قاسها بما لديه من محسوسات.
قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[١] تنزيلا من عالم الغيب إلى عالم الشهود، الأمر الذي دعا بالمؤمنين و غير المؤمنين من سائر الموحدين، بل و من كلّ من يعتقد بما وراء الحس و الشهود، أنّ الرحمة و البركات تنزل من عند اللّه العلي القدير، من عالم هو أسمى و أسنى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ[٢].
و هكذا جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب ابن سبأ عند ما سأله عن سبب رفع اليدين إلى السماء عند الدعاء[٣].
الأعضاء:
تقدم أنّ المشبهة أثبتوا للّه سبحانه أعضاء و جوارح كما في المخلوقين، و حكي عن داود الجواربي أنّه قال: اعفوني عن الفرج و اللحية و اسألوني عما وراء ذلك. و قال: انّ معبوده جسم و لحم و دم، و له جوارح و أعضاء، من يد و رجل
[١] الحجر: ٢١.
[٢] الذاريات: ٢٢.
[٣] الملل و النحل للشهرستاني: ج ١، ص ١٠٥.