التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - مسألة الحبط و التكفير
و قبل أن ننتقل إلى صلب البحث لا بدّ أن نتعرف- اجماليا- إلى مسائل هي ذات صلة بالموضوع:- الاولى: هل الجزاء على العمل استحقاق أم مواضعة، أي مجرّد مواعدة (وعد بثواب و وعيد بعقاب)؟
الصحيح هو الأوّل، في صورة ما إذا كان العمل صادرا عن طلب من المولى حتى و لو كان متفضّلا على عبيده بالنعم الجسام، لأنّ ذلك تفضّل محض، و لا شيء يوازي التفضل، خصوصا إذا كان في التكليف مشقة، فانه ليس للمتفضّل أن يكلّف المتفضّل عليه بما يوقعه في مشقّة كثيرة بحجّة أنّه منعم عليه، لو لا الالتزام على نفسه بمقابلة الأجر و الثواب.
هذا و لا سيما إذا قلنا بأنّ المثوبات ليست سوى تجسّدات ذاتية لنفس الأعمال تتجسد إلى درجات و دركات، و الأعمال هي- بدورها- انعكاسات نفسية طيبة أو خبيثة تتمرن بالعمل، و ان كانت ذات مرونة و قابلة للانعطاف و التبديل، بالتربية و التدريب[١].
و عليه فالمحسن الممتثل لأوامر مولاه، انما يستحقّ أجرا لذاته، و لم يكن الوعد بالثواب سوى تأكيد، و تعيين لمقداره لا لأصله.
و هكذا المسيء يستحق عقوبة لذاته و ليس لمجرد الوعيد، و لعل استحقاق المسيء إجماعي، حيث تمرده و كفرانه نعم المولى معا.
الثانية: هل المثوبة و العقوبة تقتضيان الدوام و الأبدية؟ فلا مثوبة إلّا و هي دائمة و لا عقوبة الا و هي خالدة؟! قالت المعتزلة: نعم! و من ثمّ جعلوا من الفاسق خالدا في النار.
و دليلهم على ذلك هو: قياس المثوبة و العقوبة بالمدح و الذم، فكما أنّهما
[١] و سوف نتكلم عن مسألة العقوبة في مجال التفسير ان شاء اللّه.