التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - إرادة تكوينية و إرادة تشريعية
قال: «المشيئة من صفات الأفعال فمن زعم أن اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد»[١].
و لعل ما في ذيل الحديث تعريض بمذهب أهل الصفات (الأشاعرة) حيث زعموا من الإرادة صفة ذاتية قائمة به تعالى، زائدة على ذاته المقدسة، فلزمهم القول بتعدد القديم تعالى عن ذلك[٢]. أمّا من ذهب من متكلمي الامامية إلى أنّ الإرادة صفة ذات، فلم يعتبرها زائدة على ذاته المقدسة، بل اعتبرها عين ذاته تعالى كما في سائر الصفات الذاتية من العلم و القدرة و الحياة، و من ثمّ لا يشملهم الحديث.
و أمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن أمره تعالى و نهيه، بعثا و زجرا للعباد، فيما يعود عليهم من مصالح و مفاسد كامنة وراء التكاليف.
و هذه الإرادة قد تتخلف عن المراد، حيث يعصى العباد و يخالفون أمره تعالى، و لا محذور في ذلك بعد أن كانت دار التكليف دار اختيار، حيث لا موقع للتكليف لو لا اختيار المكلفين في الاطاعة و العصيان، و أنّ مصلحة التكليف هي التي تستدعي اختيار العباد في الامتثال و الترك تمهيدا لاختبارهم في هذه الحياة، «ليميز اللّه الخبيث من الطيب»[٣]. ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[٤].
و التفكيك بين الإرادتين شيء معروف في روايات أهل البيت (عليهم السلام) منها:
ما رواه الصدوق باسناده عن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «ان للّه إرادتين و مشيئتين، إرادة حتم، و إرادة عزم».
[١] كتاب التوحيد للصدوق: ص ٩٣ باب صفات الأفعال. و راجع: بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ٣٧.
[٢] راجع: تجريد الاعتقاد بشرح العلامة الحلّي: ص ١٥٩. و أوائل المقالات للشيخ المفيد: ص ١٩.
[٣] الانفال: ٣٧.
[٤] آل عمران: ١٧٩.