التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - الرؤية
بخصوصيات الشيء وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ[١]. فإذا ما قارنّا هذا التعليل الذي في الذيل، مع تكلم النعوت في صدر الآية، يتضح جانب عموم تلك الصفات بجلاء، الأمر الذي لا يكاد يخفى على ذوي الاذواق الأدبية الدقيقة!.
و لابن تيمية هنا محاولة فاشلة، قال: «المراد من الإدراك في الآية هي الرؤية المقيدة بالاحاطة، و من رأى جوانب الجيش أو الجبل لا يقال أنّه أدركها، و إنّما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية. قال: و نحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك، و إنّما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع، بل المستدل بالآية عليه أن يبين أنّ الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية، و أنّ كلّ من رأى شيئا يقال في لغتهم أنّه أدركه، و هذا لا سبيل إليه، كيف و بين لفظ الرؤية و لفظ الإدراك عموم و خصوص، فقد تقع رؤية بلا إدراك، و قد يقع إدراك بلا رؤية ...».
و أضاف: «أنّ الآية مدح، و معلوم أنّ كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح، لأنّ النفي المحض لا يكون مدحا ان لم يتضمن أمرا ثبوتيا، و لان المعدوم أيضا لا يرى، و المعدوم لا يمدح، فعلم أنّ مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه»[٢].
و قد غفل أنّ الإدراك جاء في الآية مقيدا بالأبصار، و هو من أوضح القرائن على أن المراد به «الرؤية بالعين» تجاه تقييده بالقلب، المراد به الدرك النفساني المجرد، يقال: أدركته ببصري، و يراد معنى يغاير قولهم: أدركته بقلبي.
و هذا كاف مستندا للمستدلين بالآية على نفي رؤيته تعالى، الأمر الذي لم يتنبه له شيخ حرّان! هذا، و نفي الرؤية في الآية جاء معللا بأنّه تعالى «لطيف»، و هو من النفي المتضمن للاثبات لا النفي المحض، فهو كقوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ[٣]
[١] يونس: ٦١.
[٢] منهاج السنة، تحقيق محمد رشاد ط بيروت: ج ٢ ص ٢٤٣- ٢٤٤.
[٣] البقرة: ٢٥٥.