التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٤ - مسألة الأمر بين الأمرين
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[١].
و ذلك انّه تعالى جرت سنته في ايجاد ما يريد العباد ايجاده، تحقيقا لمبدإ الاختيار الذي منحه لعباده، و ليصح تكليفهم و اختبار نياتهم. و ان شئت فقل:
انّه لا يوجد شيء إلّا باذنه تعالى، لكن اللّه جعل من سنته أن توجد الاشياء عند ما يريد العباد ايجادها، فهو تعالى الموجد لكن عند إرادة العبد، و قد جعل اختيار وجودها رهنا باختيار العباد ان شاءوا وجدت باذن اللّه، و ان لم يشاءوا لم توجد، حيث ذلك الارتباط هو من صنع اللّه الذي أتقن كلّ شيء.
و بذلك صحّ القول: «ان لا خالق إلّا اللّه» و «لا موجد الّا اللّه» و «لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه». كما صحّ القول بأن العباد هم يحدثون ما يريدون فعله و يتركون ما يكرهون وجوده من أفعال اختيارية.
كما أن مسألة «الأمر بين الأمرين» عبارة عن هذا المعنى، و اليك توضيحها بالبيان التالي:
مسألة الأمر بين الأمرين:
إنّ مسألة «الأمر بين الأمرين» تعود في أساسها حدا فاصلا بين مسألة «الجبر الأشعري» و مسألة «التفويض الاعتزالي»، أرشد إليها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في نصوص و تصريحات كثيرة، ممّا جعل مذهب الإمامية طريقا وسطا بين المسلكين لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين[٢].
هذه المسألة مرتبطة مع عدة مسائل متشابكة مع بعضها، يصعب التوفيق
[١] الزمر: ٦٢.
[٢] بهكذا لفظ ورد مستفيضا عن ائمة الهدى( عليهم السلام). راجع: الكافي الشريف- الاصول: ج ١ ص ١٦٠ حديث ١٣ باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين. و كذا باب الاستطاعة. و راجع:
بحار الانوار للعلامة المجلسي، باب نفي الظلم و الجور عنه تعالى و ابطال الجبر و التفويض، و اثبات الأمر بين الأمرين و اثبات الاختيار و الاستطاعة: ج ٥ ص ٢- ٦٧.