التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٧ - الختم و الطبع
و قال البيضاوي: الختم الكتم، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه، لانه كتم له و البلوغ آخره، نظرا إلى أنّه آخر فعل يفعل في احرازه.
و الغشاوة فعالة من غشاه إذا غطاه، بنيت لما يشتمل على الشيء، كالعصابة و العمامة.
قال: و لا ختم و لا تغشية على الحقيقة، و انما المراد بهما: أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرّنهم على استحباب الكفر و المعاصي و استقباح الايمان و الطاعات، بسبب غيهم و انهماكهم في التقليد، و اعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق، و اسماعهم تعاف استماعه، فتصير كأنّها مستوثق منها بالختم. و ابصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الانفس و الآفاق، كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنّها غطّى عليها و حيل بينها و بين الابصار. و سماه- على الاستعارة- ختما و تغشية. أو مثّل قلوبهم و مشاعرهم المئوفة بها، بأشياء ضرب حجاب بينها و بين الاستنفاع بها، ختما و تغطية.
قال: و قد عبر عن إحداث هذه الهيأة بالطبع في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ[١]. و بالاغفال في قوله تعالى:
وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا[٢]. و بالاقساء في قوله تعالى: وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً[٣].
و قال- في وجه نسبة ذلك إلى اللّه-: و هي من حيث أنّ الممكنات بأسرها مستندة إلى اللّه تعالى، واقعة بقدرته، اسندت إليه. و من حيث أنها مسبّبة مما اقترفوه- بدليل قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ[٤]. و قوله تعالى:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ[٥]- وردت ناعية عليهم شناعة صفتهم و وخامة عاقبتهم[٦].
[١] النحل: ١٠٨.
[٢] الكهف: ٢٨.
[٣] المائدة: ١٣.
[٤] النساء: ١٥٥.
[٥] المنافقون: ٣.
[٦] أنوار التنزيل و أسرار التأويل للامام البيضاوي: ج ١ ص ٧٠- ٧٢.