التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - الفوقية
و هكذا التعبير بالنزول من عنده و الصعود إليه و ما أشبه. لا إرادة التحديد و الجهة الماديين، بل الاعتباريين بالنظر إلى ما بين العالمين من تباين و فرق، ذاك إلى ذروة العلى و الشرف و الغنى و هذا الى حضيض الخسة و الذل و الافتقار.
قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[١]. أي ننزله إلى عالم المادة تنزيلا بالاعتبار. حتّى إذا ما نبت زرع أو استخرج معدن من تحت الأرض أو اصطيد سمك من جوف الماء، قلنا أنّه من بركات اللّه النازل علينا أهل الأرض.
و على ضوء هذا البيان يبدو أن لا غموض على وجه الآيات التي تمسك بها الأشعري و أتباعه، ممّا لا دلالة لها على مقصودهم لو دققنا فيها الانظار.
و إليك الإجابة الوافية على كلّ واحدة من الآيات حسب الأرقام المتقدمة:
١- أمّا قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[٢]، فقد تقدّم أنّ العرش هو عرش التدبير كناية، و الاستواء هو الاستيلاء التامّ و التمكن الكامل من الاحاطة بشئون التدبير.
٢- و قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[٣]، فإنّه صعود و رفع معنوي، لا حسيّ، أي الأعمال الحسنة ترتفع من هذا العالم المادي، لتنقلب درجات في عالم آخر لا مادي هو فوق هذا العالم شأنا و رفعة.
٣- و قوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ[٤] يعني الرفع المعنوي، و تخليصه من شرور هذه الحياة السفلى الكدرة، إلى حياة عليا كريمة، كما جاء في سورة آل عمران:
٥٥ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. و كقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ[٥]. و قوله في شأن إدريس (عليه السلام):
[١] الحجر: ٢١.
[٢] طه: ٥.
[٣] فاطر: ١٠.
[٤] النساء: ١٥٨.
[٥] آل عمران: ٥٥.