التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٠ - حل شبهات المجبرة
١٦- و قوله: وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ[١] كان المشركون يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبر اللّه نبيّه، فقال بعضهم: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمّد، فنزلت: أنّه لا فرق عند اللّه بين الجهر و الاخفات، إنّه يعلم ما تختلج به صدوركم قبل النطق به. ثمّ جاء التعقيب معللا: «ألا يعلم»- أي خفايا جوانحكم- «من خلق»- أي من خلقكم، فهو أعرف بخباياكم قبل مظاهركم- وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٢] فلا يعزب عنه شيء و ان دق و لطف.
إذن فلا دلالة في الآية الكريمة أنّه تعالى خلق الخواطر و الألفاظ، كما زعمه الأشعري و أذنابه ممن يحاولون تحريف الكلم عن مواضعه.
١٧- و قوله: رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ[٣] أي وفقنا لنكون مسلمين لك، و ذلك بافاضة ألطاف خاصة يفيضها اللّه على من استهدى من عباده و جاهد فيه، وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ[٤]. وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[٥] و سنتكلم عن مراتب الهداية، و انّها عامّة و خاصة، منها ما عمّ الناس جميعا ابتداء منه تعالى. و منها ما خصّ المسترشدين المستهدين ممن ساروا على مناهج الهدى و كانت لهم سابقة جد و اجتهاد.
و الدليل على ذلك ما جاء في تعقيب الآية: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[٦]. فهو دعاء و ابتهال إلى اللّه أن يمنحهم بلطفه و معونته و تأييده الخاص. لا أن يخلق فيهم الاسلام دينا قهريا مجبرين عليه، كما زعمه الأشعري.
[١] الملك: ١٣.
[٢] الملك: ١٤.
[٣] البقرة: ١٢٨.
[٤] محمّد: ١٧.
[٥] العنكبوت: ٦٩.
[٦] البقرة: ١٢٨- ١٢٩.