التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩١ - حل شبهات المجبرة
١٨- و هكذا قوله: وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً[١] تعبير عن لطفه و عنايته الخاصة بشأن متبعي المسيح (عليه السلام) جزاء بما صبروا و صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه. إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ[٢].
١٩- و قوله: وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى[٣] كناية عن مناشئ الأفراح و السرور، و عوامل الأحزان و الغموم. و بدليل ما بعدها من آيات: وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا. وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى. وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَ ثَمُودَ فَما أَبْقى.
إذ لو كان المقصود: أنّه تعالى هو يخلق الضحك و البكاء- جمودا مع ظاهر اللفظ- لتنافي مع قوله: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى[٤] قبل هذه الآية، الصريحة في أنّ للعباد نشاطات و مساعي هم يحاولونها عن إرادة و اختيار، و تعود عليهم بالذات مضاعفات أعمالهم في هذه الحياة.
٢٠- و قوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ[٥]. لا يعني سلب قدرة العباد عن الإحداث و الايجاد حتى لمثل أفعالهم الاختيارية، لأنّ وجه هذه الآية إلى غير هذه الجهة، و إنّما تعني نفي أنّهم خالقون لأنفسهم، بصدد اثبات أنّه تعالى هو خالق الأرض و السماء و جميع الخلائق، ببرهان السبر و التقسيم: إذ يدور أمر الخلق بين ثلاث: الاولى- أنّهم خلقوا من غير شيء، فلم يكن هناك مبدع و لا صانع، و إنّما وجدوا صدفة من العدم المحض. الثانية- أنّهم هم الذين خلقوا أنفسهم. الثالثة- أنّ اللّه خلقهم كما خلق سائر المخلوقات.
[١] الحديد: ٢٧.
[٢] فصلت: ٣٠- ٣١.
[٣] النجم: ٤٣.
[٤] النجم: ٣٩- ٤١.
[٥] الطور: ٣٥.