التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٣ - مسألة السعادة و الشقاء
القول الأول. و سلب المسئولية عن العباد تجاه اعمالهم و ما يستتبعها من سعادة و شقاء، لا شيء آخر! و كم لامام المشككين و شيخه الأشعري امثال هذه المغالطات المفضوحة!!.
أمّا مدلول الآية الكريمة بالذات فان الشقاء و السعادة فيها يعنيان سوء الحال و حسنه ذلك اليوم، أي فمنهم التعيس المتضايق عليه بالعذاب و شدة المؤاخذة و مصيره إلى النار، و منهم الفاره المنعم عليه بالثواب و رفق اللطف به و مآله إلى الجنة. نظير قوله تعالى في آية اخرى: وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ (و هم الذين استحقوا رحمته بايمانهم و اعمالهم الصالحة) وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ. (و هم الاشقياء الأذلاء الذين استوجبوا الذل و الهوان لأنفسهم، بما اعرضوا عن ذكر اللّه و نسوا لقاء يومهم هذا)[١].
إذن ليست السعادة و الشقاء في الآية من النوع المصطلح المبحوث عنه.
و انما هما بالمعنى الثاني الذي قدّمنا شرحه، و لا صلة بينه و بين مسألة الجبر و الاختيار في شيء.
و دليلا على ذلك ما جاء في تعقيب الآية بالذات: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا (أي ساء حظهم ذلك اليوم) فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ، إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا (أي رجحت صفقتهم و حظوا برحمته تعالى الخاصة) فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ، عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ[٢].
٢- قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ[٣]. بعد قوله تعالى
[١] الشورى: ٧- ٨.
[٢] هود: ١٠٦- ١٠٨.
[٣] المؤمنون: ١٠٦.