التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧١ - مسألة التمحيص و الاختبار
مسألة التمحيص و الاختبار:
في القرآن كثير من آيات انذرت بتمحيص هذه الامّة و اختبارها شأن سائر الامم السالفة. و في ذلك فائدتان كبيرتان:- الاولى: ان البلايا و المحن تعمل في تكوين الانسان ثبات عزيمته و استقامة رأيه فلا يتزعزع تجاه الحوادث و الكوارث، مقداما صبورا، قوي الارادة، حازما وقورا، و اللّه تعالى يريد من هذه الامة امة متربية و مترقية كاملة ذات قدرة جبارة لبسط العدل في ارجاء العالم المعمور وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[١]. امة متربية تحت تربية الرسول و تعليمه المباشر، لتصبح هي مربية لسائر الامم و معلمة للاجيال، مكارم اخلاق الانسانية العليا و آدابها المثلى.
الثانية: ابداء ما في الناس من قابليات و طاقات و استعدادات متفاوتة، و مدى ما يبذله أنواع الطوائف و الآحاد في تجسيد ما في كمونهم من قوى و صلاحيّات لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[٢] أي ليمتاز أحدهما عن الآخر.
و ذلك تمهيدا للفوز على مختلف درجات الآخرة، فلا يستوي الأفراد في البلوغ إلى مدارج الكمال و القرب من رضوانه تعالى. فلو كان اللّه يثيب الناس على حسب استعداداتهم المتفاوتة من قريب و أقرب أو بعيد و أبعد، وفق ما يعلمه من اختلاف قابلياتهم في التقرب و الابتعاد، لكانت صرخات
[١] البقرة: ١٤٣.
[٢] الانفال: ٣٧.