التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٥ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. و من ثمّ علل الطبع بكفرهم. و سنتكلم عن الطبع و الختم في فصل قادم.
٣٧- ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[١].
الإرادة- هنا- تشريعية. و من ثمّ قد تتخلف عن المراد، حسبما أسلفنا البحث عنها[٢].
٣٨- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً[٣]. قالت الأشاعرة: و معلوم من قسوة قلوبهم أنّه بالكفر، فإذا كان اللّه قد جعلها قاسية فقد خلق فيها الكفر.
و الجواب: أنّ هذا القساء و الجفاء إنّما كان على أثر ذلك اللجاج و العناد مع الحق، و قد عبّر عن هذه القسوة في مواضع آخر من القرآن بالختم و الطبع و في غلاف و أمثال ذلك من تعابير، كلها تنمّ عن حالة نفسية جافية كانت لليهود، هم أوجدوها لأنفسهم بعد إعراضهم عن الحق و إصرارهم على الباطل.
أمّا النسبة إلى اللّه فقد تقدم أنّها باعتبار أنّه تعالى أقدرهم على رفض الحق كما أقدرهم على القبول، لحكمة التكليف و الاختبار، فرفضوه باختيارهم، لا أنّه تعالى أجبرهم على الرفض أو أراد منهم الكفر، سواء بإرادة تكوينية أم بإرادة تشريعية. لأنّ ذلك يتنافى و توجيه ذلك الإنكار و الذم إليهم بالذات.
و معنى الآية: أنّهم نقضوا الميثاق و خالفوا عهد ربهم، فلعنهم و أبعدهم عن رحمته، و من ثمّ قست قلوبهم فجعلوا يحرّفون الكلم عن مواضعه بهتانا و زورا.
٣٩- و على هذا النمط جاءت الآية التالية بشأن النصارى: وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ[٤].
[١] المائدة: ٦.
[٢] راجع صفحة: ١٧٠.
[٣] المائدة: ١٣.
[٤] المائدة: ١٤.