التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٢ - إرادة تكوينية و إرادة تشريعية
ثمّ
شرح (عليه السلام) الثانية بقوله: «ينهى و هو يشاء»
أي يشاء أن يقع و ان كان نهى عنه- في الظاهر- أن لا يقع. فنهيه نهي تشريع، أمّا اشاءته فإشاءة تكوين، و قد مثل له الامام (عليه السلام) بنهي آدم عن أكل الشجرة، و قد كانت المصلحة تستدعي الأكل منها، حيث خلق آدم ليعيش على الأرض و يكون خليفة اللّه فيها. فتخلفت إرادته التشريعية عن إرادته التكوينية.
ثمّ
قال (عليه السلام): «و يأمر و هو لا يشاء»
و مثل بأمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل (عليهما السلام) حيث تخلف التشريع عن التكوين[١].
و على هذا الضوء من البيان الوارد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) نستطيع دفع الشبهة عن كثير من آي القرآن، مثل قوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ[٢]. و قوله: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً[٣].
و أمثالهما من الآيات و هي كثيرة جدا. و المشاءة فيها هي التكوينية، أي لو أراد ربك أن يجعل الناس كلهم مؤمنين بإرادته التكوينية لفعل، و لما تخلفت إرادته عن المراد، كما في قوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[٤].
لكنه تعالى لم يشأ الإيمان إلّا عن اختيارهم لغرض الاختبار، حيث لا تمييز مع الإلجاء.
و بذلك يرتفع ايهام التناقض بين أمثال هذه الآيات، و آيات آخر جاء فيها: انّه تعالى هدى الناس جميعا، و لا يرى لعباده الكفر، حيث هذه الطائفة من الآيات تعني مشيئته تعالى التشريعية، أمرا و نهيا، بعثا و زجرا، في هداية شاملة و ارشاد عام. قال تعالى:
[١] راجع: بحار الانوار: ج ٤ ص ١٣٩. و مرآة العقول: ج ٢ ص ١٦١. و الكافي الشريف: ج ١ ص ١٥١ باب المشيئة و الارادة.
[٢] النحل: ٩.
[٣] يونس: ٩٩.
[٤] فصلت: ١١.