التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - الأفعال الاختيارية
بأنّهم يثبتون للّه شركاء لا حصر لها و لا حدّ. قالوا: المجوس أسعد حالا منهم، حيث لم يثبتوا إلّا شريكا واحدا، و هؤلاء يثبتون شركاء لا تحصى[١].
و نحن- في هذا العرض- نقدم فصولا نبحث خلالها عن مسائل:
«الاختيار» و «الإرادة» و «الأمر بين الأمرين» و عن نسبة ما بين قدرة العبد و قدرته تعالى. و عن السر في اضافة الأفعال و المولدات إليه سبحانه، و ما الى ذلك من بحوث لها صلة بالموضوع، و أخيرا نتعرج إلى شبهات أهل الجبر و حلّ متشابهات آيات تشبثوا بها في هذا المجال، و تخريج تأويلها الصحيح ان شاء اللّه تعالى، و منه التوفيق.
الأفعال الاختيارية:
أمّا أهل العدل و التنزيه فوقفوا من مسألة «الاستطاعة» موقفا نزيها، و قدّسوا ساحة قدسه تعالى أجمل تقديس، في هدى العقل الرشيد و محكمات الآيات و الآثار الصحيحة.
قالوا: ان اللّه خلق الخلائق لا شريك له في الخلق، و لا خالق سواه، و ركب في كلّ مخلوق صفة و جعل لكلّ موجود أثرا، و جعل من أوصاف الأشياء و آثارها نوعين، منها ما يصدر عنها صدورا لا باختيارها و لا هي مقيدة بارادتها، كطلوع الشمس و اشراقها، و نبت الشجر و اثماره. و منها ما يصدر عنها صدورا تحت اختيارها و مقيدة بارادتها، كمشي الدابة و وقوفها و طلبها للحشائش و أكلها.
قالوا: هناك فرق ضروري بين حركة يد المرتعش الحادثة لا عن اختياره، و تحريك اليد لتناول الطعام و الشراب، المنضبط تحت الاختيار. كالفرق بين التنفس و التكلم، و هكذا بين نبات الشعر و حلقه، الأول لا اختياري و الثاني اختياري.
و الفعل الاختياري هو ما إذا شاء الانسان فعله أو شاء تركه، الأمر الذي يجده الانسان في صميم فطرته فارقا بين الأمرين بديهيا لا غبار عليه.
[١] شرح العقائد النسفية: ص ٦١.